الجنيد البغدادي

114

رسائل الجنيد

حاجتها إلى النكاح وتلبيسها ذلك عليه بأن قصدها إعمال قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : " تناكحوا تناسلوا فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة " « 1 » وتجنب قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : " لا رهبانية في الإسلام " « 2 » ومثله في الطعام عند شدة حاجتها إليه فربما لبست عليك هذا ، بدعائك إلى ترك الصيام أو تناول بعض المشتهيات بأن تقول لك « 3 » في سرد الصيام إضعاف النفس عن الأمر المحتاج إليه في الطاعات وإن في ترك تناول هذا الطعام المشتهى ما كسر قلب المسلم إذا دعي إليه الصديق أو قلب العيال إذا كان ما جلبته أنت لعيالك . ربما خدعتك بلون آخر بأن تقول لك اكسر من هذه الشهوة وبتناولها هذه الكرة لئلا يلح عليك هذا الخاطر فيشوش عليك عبادتك وأمثال ذلك في سائر المشتهيات . كل هذا من تلبيسها وتدليسها ومثله عندما تكدها بالعبادة وتلزمها على الكراهية الطاعة فتختار لك نهي النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عن التبتل وعن أتعاب النفس مثل قوله عليه السلام : " اكلفوا من العمل ما تطيقون " « 4 » ومثل قوله عليه السلام : " إن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى " « 5 » بل ربما دعتك عند إكثارك إتعابها ومنعها شهوتها إلى ما فيه إهلاكها رأسا أو منعها من تصرفاتها ، فتحملك إلى ما يؤدى إلى القتل أو السجن وأمثال ذلك لما يتخيل في هاتين الحالتين من الراحة وزوال التعب عنها ، فأحد الشاهدين في هذا الباب أن يكون قد تقدم لها الكد والإتعاب عند طلبها للراحة وتقدم لها الحاجة إلى الشيء المشتهى عند باعث الشهوة فيعتبرها بهذين الحالين . فإن كان قد تقدم أحد هاتين الحالتين علمت أن الخاطر من النفس وحاجتها إلى ذلك هو

--> ( 1 ) جاء في كشف الخفاء للعجلوني : رواه عبد الرزاق والبيهقي عن سعيد بن أبي هلال مرسلا بلفظ تناكحوا تكثروا فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة ، قال في المقاصد جاء معناه عن جماعة من الصحابة ، فأخرج أبو داود والنسائي والبيهقي وغيرهم عن معقل بن يسار مرفوعا ، تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة ، ولأحمد وسعيد بن منصور والطبراني في الأوسط والبيهقي وآخرين عن أنس قال كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يأمر بالباءة وينهي عن التبتل نهيا شديدا ، ويقول تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة . وصححه ابن حبان والحاكم ، ولابن ماجة عن أبي هريرة رفعه : انكحوا فإني مكاثر بكم . ( 2 ) أورده العجلوني في كشف الخفاء برقم 3154 ، وقال : قال ابن حجر لم أره بهذا اللفظ لكن في حديث سعد بن أبي وقاص عند البيهقي أن اللّه أبدلنا بالرهبانية الحنيفية السمحة . ( 3 ) في ط : إن . ( 4 ) أورده السيوطي في الجامع الصغير برقم 1439 ، ولفظه " اكلفوا من العمل ما تطيقون ، فإن اللّه لا يمل حتى تملوا ، وإن أحب العمل إلى اللّه تعالى أدومه وإن قل " ، وعزاه إلى أحمد وأبو داود النسائي عن عائشة . ( 5 ) أورده العجلوني في كشف الحفار برقم 794 ، ولفظه " إن المنبتّ لا ظهرا أبقى ، ولا أرضا قطع " وقال : رواه البزار عن جابر بلفظ : إن هذا الدين متين ، فأوغل فيه برفق ، فإن المنبت لا ظهرا